فخر الدين الرازي
93
المطالب العالية من العلم الإلهي
وقد يعبر عن هذه الحجة بعبارة أخرى : فيقال : لو كان العالم حادثا ، لامتنع أن يدخل في الوجود إلا بإيجاد الفاعل . فنقول : إيجاد الفاعل . إما أن يكون عبارة عن ذات الفاعل ، أو عن ذات المفعول ، أو عن أمر ثالث . فإن كان الأول ، لزم من دوام ذات الفاعل [ دوام « 1 » ] ذات المفعول . وإن كان الثاني كان معناه : أن العالم [ إنما « 2 » ] وجد بنفسه . لأنا لما قلنا : إن العالم وجد بإيجاد الفاعل . ثم قلنا : إن إيجاد الفاعل للعالم هو نفس العالم ، كان معنى هذا الكلام : أن العالم وجد بنفسه ، لكن كونه كذلك ، يمنع من إسناده إلى الفاعل ، وذلك محال . فبقي الثالث . فنقول : لا شك أن الموجدية صفة لذات الفاعل ، فهي إن كانت حادثة افتقرت إلى إيجاد آخر . وهو محال . وإن كانت قديمة ، لزم من قدمها قدم المفعول ، لأن كون الموجد موجدا ، حال بقاء المفعول على عدمه الأصلي : محال . [ وباللّه التوفيق « 3 » ] الحجة الثالثة : لو كان العالم حادثا ، لكان حدوثه في الوقت المعين ، إما أن يكون لمجرد كونه قادرا ، أوليس كذلك . بل لأجل أن اللّه تعالى أوجده في ذلك الوقت . والأول باطل . لأنه تعالى كان قادرا قبل حصول هذا الوقت ، فكان يجب أن يحدث هذا الحادث قبل حدوث هذا الوقت . بل كان يجب أن يدوم الأثر بدوام كونه [ قادرا « 4 » ] وكما أن « 5 » قادريته أزلية ، لزم أن يكون هذا الأثر أزليا . وهو المطلوب . وأما القسم الثاني : [ وهو « 6 » ] أن يقال : العالم إنما « 7 » حدث في هذا الوقت ، لا لأجل أن اللّه [ تعالى قادر ، بل لأجل أنه تعالى « 8 » ] خلقه في هذا
--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ط ، س ) ( 5 ) من ( ت ) ( 6 ) من ( ت ) ( 7 ) لما ( ط ) ( 8 ) من ( ت )